ابن تيمية

75

مجموعة الفتاوى

الْمُطْلَقِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا بُدَّ فِيهَا مَنْ عِلْمٍ اضْطِرَارِيٍّ يَضْطَرُّ الْقَلْبَ إلَيْهِ إذْ الْقَلْبُ لَا يَحْصُلُ لَهُ عِلْمٌ إلَّا مِنْ جِنْسِ الِاضْطِرَارِيِّ ابْتِدَاءً بِتَوَسُّطِ الضَّرُورِيِّ ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ يُبْنَى عَلَى مُقَدِّمَاتٍ تَنْتَهِي إلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الضَّرُورِيِّ . إمَّا بِتَوَسُّطِ الْحِسِّ أَوْ مُجَرَّداً عَنْ الْحِسِّ . فَالطَّرِيقُ الْقِيَاسِيَّةُ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِتَوَسُّطِ مُقْدِمَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ : الْوُجُودُ الْمَعْلُومُ إمَّا مُمْكِنٌ وَإِمَّا وَاجِبٌ وَالْمُمْكِنُ لَا يُوجَدُ إلَّا بِوَاجِبِ . فَثَبَتَ وُجُودُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ . وَمِثْلُ أَنْ يُقَالَ : الْعَالَمُ مُحْدَثٌ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُ مُحْدَثٌ . وَالثَّانِي ضَرُورِيٌّ وَالْأَوَّلُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ . ثُمَّ يُقَالُ : وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ مُحْدِثٌ . أَوْ يُقَالُ : لَا شَكَّ أَنَّ ثَمَّ وُجُوداً وَهُوَ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ وَالْمُحْدَثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ فَثَبَتَ وُجُودُ الْقَدِيمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ . كَمَا يُقَالُ : لَا رَيْبَ أَنَّ ثَمَّ وُجُوداً وَهُوَ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ فَثَبَتَ وُجُودُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ . وَقَدْ يُقَالُ : أَيْضاً لَا رَيْبَ أَنَّ ثَمَّ وُجُوداً وَهُوَ إمَّا مَصْنُوعٌ أَوْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ أَوْ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ مَفْطُورٌ أَوْ غَيْرُ مَفْطُورٍ وَالْمَصْنُوعُ أَوْ الْمَخْلُوقُ أَوْ الْمَفْطُورُ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صَانِعٍ وَخَالِقٍ وَفَاطِرٍ . فَثَبَتَ وُجُودُ مَا لَيْسَ بِمَصْنُوعِ وَلَا مَفْطُورٍ وَلَا مَخْلُوقٍ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ .